موقع اشكرة | السلفية الفرنسية.. أسلمة الراديكالية

السلفية الفرنسية.. أسلمة الراديكالية

وجهة نظر

السلفية الفرنسية.. أسلمة الراديكالية

أشكرة | محمد خلف

شهد التيار السلفي في أوساط مسلمي فرنسا خلال السنوات الماضية تنامياً ملحوظاً ترافق مع ارتفاع عدد المساجد التي يسيطر عليها ويرتادها السلفيون، وتحول إلى ظاهرة أثارت قلق الأوساط السياسية والاجتماعية والهيئات الأمنية التي رصدت تقاريرها المتلاحقة انتشار هذه الجماعة في المناطق الحضرية في أحياء باريس ورون ألب وكوت دازيروإيل دو فرانس، إضافة إلى المعاقل التقليدية للمسلمين مثل فيتري سيرسان وسان دوني. ليس هذا فقط، بل لاحظت هذه التقارير أن الجماعة السلفية تحقق انتشاراً غير مفهوم في المدن المتوسطة مثل جوي لوتور ومدينة براست التي ينشط فيها أحد اشهر الدعاة رشيد ابو حذيفة، عدا سيطرتهم على بعض المدارس الابتدائية الخاصة في مدينة روبي في الشمال ومدينة مارسيليا.

توصل تحقيق استقصائي اعدته صحيفة “لوموند” في نيسان/ أبريل 2005 إلى أن الدعاة السلفيين يحققون نجاحاً كبيراً في الأحياء الفقيرة التي يعاني المسلمون فيها من التهميش والعنصرية والإذلال بسبب أصولهم وارتداء النساء الحجاب. وأشار إلى أن “السلفيين يمارسون الضغوط على اولئك المسلمين الذين لا يتبنون تفسيرهم للدين، كما أنهم نجحوا في فرض سيطرتهم الكاملة على مساجد مرسيليا التي أصبحت معقلاً للسلفية الجهادية في فرنسا”. ويتضح من دراسة أعدت بطلب من مجلس الشيوخ الفرنسي أن السلفية والتطرف الإسلامي اللذين يغذيان مصادر التهديد الأمني يجعلان من هذه الظاهرة ذات طابع داخلي، وتكشف عن أن الجماعة السلفية تمتلك مئات أماكن العبادة، ويتبعها أكثر من 60 ألف شخص، وهذه الأرقام قد تكون تضاعفت خلال السنوات الماضية.

تسيطر على العقل السلفي في فرنسا بحسب الباحث في شؤون الحركات الإسلامية الأوروبية في الجامعة الحرة ببروكسيل سمير امغار ثلاث أساطير هي: أسطورة السلف الصالح والعصر الذهبي للإسلام، نظرية المؤامرة، وحدة الجماعة. يعتمد امغار في تحليله لظاهرة السلفية الفرنسية على جوهرها الداخلي بخلاف كثير من الباحثين الذين ناقشوها من وجهة نظر ماكرو- اجتماعية، سعت إلى فهم طريقة عمل الحركات المتطرفة، وذلك أيضاً من خلال الخطاب المتبع والبرنامج السياسي العلن والسري، وكذلك من خلال هيكلية التنظيم الداخلية. وبرأي امغار “ان خصوصية السلفية تتجلى في القراءة الحرفية للنصوص القرآنية والسيرة النبوية”.

أفاد استطلاع أعدته مؤسسة “ايفوب” لحساب معهد ” مونتانيي” للدراسات الليبرالي التوجه بأن “أكثر من ربع مسلمي فرنسا يتشددون في تطبيق شعائر الإسلام، فيما يمارس حوالى نصفهم تعاليم دينهم بعد أن أدخلوا عليها القيم العلمانية الفرنسية”. ويتضح من نتائج الاستطلاع الذي ركز على قياس مدى تدين مسلمي فرنسا من خلال ممارسة الشعائر الدينية وموقفهم من الحجاب واللحم الحلال والعلمانية، وجود أولاً: أكثرية صامتة (46 في المئة) مكونة من مسلمين تبنوا بالكامل العلمانية ويسيرون في طريق اندماجهم الطبيعي في المجتمع الفرنسي ومنظومة القيم الأوروبية “، ولاحظ أنهم يمارسون شعائرهم من دون أي تضارب مع قيم المجتمع الفرنسي”. وثانياً: مجموعة تشكل (25 في المئة) تتميز بتشددها في التدين والتمسك بالهوية الإسلامية، ولكنها في الوقت نفسه ترفض ارتداء النقاب وتعدد الزوجات. أما الثالثة فتتمثل بفئة من المؤمنين اعتنقوا عقيدة دينية متشددة وتبنوا خطاباً متطرفاً يتنافى مع قيم الجمهورية، وهم بالتالي يعيشون على هامش المجتمع ويتمثلون بشكل كبير لدى الفئات الشبابية” 50 في المئة من المسلمين الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة”.

في كتاب بعنوان “ما هي السلفية؟”، أشرف على إعداده وإصداره الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط برنارد روجيه تضمن فصلاً كاملاً عن السلفية في فرنسا بحث في دينامية السلفية الفرنسية والطابع المتنوع للإسلام في فرنسا والتنافس القائم بين التيارات المختلفة لزيادة حصتها من “سوق العرض الإسلامي”، وموقع السلفية في أوساط المسلمين في البلاد.

تكشف المعطيات والبيانات والبحوث التي تناولت الظاهرة السلفية والجهادية في فرنسا أنها لا تختلف عن أوروبا من زواية “المعركة الايديولوجية” التي هي في الجوهر مصدر رئيسي للتطرف الديني الإسلامي في اوروبا. إلا أن الباحث وليد كاصد الزيدي شدد في كتابه “الإسلاموية المتطرفة في أوروبا: دراسة حالة الجهاديين الفرنسيين في الشرق الأوسط”، على “أن الجهاديين الفرنسيين المشاركين الذين التحقوا بتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق لا يملكون في معظمهم المعرفة الدينية المعمقة أو أنهم اعتنقوا الإسلام حديثاً، وتم تلقينهم العقائد على يد الأئمة المحليين أو من خلال الانضمام إلى حلقات دينية في بلجيكا وهولندا، يديرها شيوخ متطرفون، فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعي وغرف الدردشة على الانترنت”.

وسلطت وسائل إعلام فرنسية كثيرة الأضواء على تدخل الدوحة في شؤون الجاليات الإسلامية في فرنسا وخصوصاً تيارات الإسلام السياسي التي ظلت تتلقى التمويلات من خلال صندوق “قطر للأعمال الخيرية” وبعض الرعاة القطريين. وكانت مؤسسة قطر الخيرية تأسست عام 1991 وترأس مجلس إدارتها عبد الله محمد الدباغ الذي اضطر إلى الاستقالة بضغوط شديدة من الإدارة الأميركية على الدوحة، وذلك بسبب المعلومات التي حصلت عليها الاستخبارات الأميركية عن تقديمها تمويلات ودعماً مالياً لتنظيم القاعدة، وفق معلومات قدمها المغربي محمد لويزي العضو السابق في حركة الإخوان المسلمين.

وتقوم مؤسسة “قطر للأعمال الخيرية” بتمويل مسجد (السلام) نانت (Nantes) التابع لجمعية غرب فرنسا الإسلامي التي تمثل الفرع الإقليمي لاتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا، إضافة إلى معهد تعليم الشريعة” المركز الثقافي عبد الله الدرويش” نسبة إلى الراعي القطري، وبلغ حجم التمويل عام 2009 ما يصل إلى 200 ألف يورو. وكذلك مسجد “الرحمة” الذي افتتح عام 2017 في ستراسبورغ وتموله جمعية الإصلاح الاجتماعي التابعة لاتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا. وتلقى المسجد ما يقرب من 3 ملايين يورو من قطر وتركيا وجمعيات خيرية خليجية أخرى. ويقع المسجد بالقرب من مكاتب رابطة الشؤون الثقافية التركية الإسلامية، التي تعد من أدوات القوة الناعمة لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.

ويعد من مراكز الإخوان المسلمين في فرنسا. مسجد “فيلنوف داسك” الذي هو أيضاً مركز ثقافي إسلامي تابع لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا ويحصل على تمويلات مباشرة من قطر ومن مؤسسة ” قطر الخيرية” التي يرأسها الشيخ حمد ناصر آل ثاني ومديرها التنفيذي الاخواني يوسف الكواري، مسجد النور في Mulhouse، ويتبع لجمعية مسلمي الالزاس موزيل.

دفعت قطر مبلغاً قدره ملايين يورو من أصل 3.6 مليون لتشييده. كما وتنتشر في فرنسا مركز تربوية وتعليمية ممولة من دول خليجية وجمعيات خيرية إسلامية من هذه الدول وفي مقدمتها “الاتحاد الوطني للتعليم الخاص الإسلامي”، ويضم 5 مدارس إسلامية بما فيها الثانوي والاعدادي. رابطة “امانة” الإسلامية بمدينة مونبلييه وتضم مدرسة ابتدائية تمولها قطر. مدرسة (ابن رشد) في مدينة ليل، ساهمت المؤسسة القطرية للاعمال الخيرية في شراء مبنى جديد للمدرسة. مجموعة مدارس الكندي من ليون وتم انشاؤها عام 2007. مدرسة (كوليج ليسيه للتربية والتعليم) بمدينة فيتري وأنشئت عام 2008، ومدرسة ابن خلدون بمدينة مرسيليا وأنشئت عام 2009.

المصدر: الحرة 

التعليقات

يرجى ادخال الاسم

يرجى ادخال الايميل

يرجى ادخال التعليق

تم اضافة التعليق مسبقاً

تم الارسال بنجاح

اترك تعليقاً