موقع اشكرة | تركيا في خلاف مع نفسها: دولة مضطربة كل إعداداتها غير منضبطة

تركيا في خلاف مع نفسها: دولة مضطربة كل إعداداتها غير منضبطة

وجهة نظر

تركيا في خلاف مع نفسها: دولة مضطربة كل إعداداتها غير منضبطة

أشكرة | وجهة نظر: كرم هاس 

ركز النظام التركي، على امتداد سنة 2018، على السياسة الخارجية ضمن رؤية ملتبسة وغير مكتملة. دخلت تركيا في دوامة سلطوية مبتذلة أدت إلى أقصى أنواع الاستقطاب الاجتماعي.

كانت تركيا في خلاف مع نفسها أكثر من أي شخص آخر، وتبدو وكأنها دولة مضطربة كل إعداداتها غير منضبطة. بالطبع، هذه الصورة الكاملة تتسبب في أن ترتكب السياسة الخارجية أخطاء في انعكاس للاضطرابات الداخلية.

يواجه الجيش التركي تهديدا جهاديا مباشرا في سوريا حيث يمتنع الجميع عن المواجهة. امتدت سياسة “استيعاب الجهاديين” التي تنتهجها تركيا بعد اتفاق إدلب في مدينة سوتشي الروسية في سبتمبر 2018 إلى عام 2019. في سوتشي، اتفق الجانبان على إنشاء منطقة منزوعة السلاح، والتي تُحظر فيها صراحة أعمال العدوان، في محافظة إدلب السورية. وبموجب شروط الاتفاق، ستبقى جماعات المعارضة المسلحة في إدلب في المناطق التي تتمركز فيها بالفعل، في حين ستقوم روسيا وتركيا بعمل دوريات مشتركة في المنطقة لمنع استئناف القتال. لا تزال هذه واحدة من أهم النقاط في العلاقات الثنائية بين روسيا وتركيا.

تمثل القضية الكردية في المنطقة التي تضع تركيا في مرمى النار من خلال التطورات في سوريا إمكانية أخرى متزايدة. ومع “الضوء الأخضر” الذي حصلت عليه تركيا من روسيا من خلال الاستفادة من القدرة على المناورات التي اكتسبتها من التنافس بين واشنطن وموسكو، شنّت أنقرة عمليات عسكرية في عفرين في بداية عام 2018. ولكن بعيداً عن القضاء على حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه المسلح، وحدات حماية الشعب الكردية، التي تعتبرها تركيا منظمات إرهابية، عمّقت أنقرة المشكلة التاريخية.

في 19 ديسمبر، أعلن البيت الأبيض أن القوات الأميركية في شمال شرق سوريا ستنسحب من المنطقة بعدما تم إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وبعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب، تصر تركيا الآن على عمليات عسكرية جديدة في منبج السورية وشرق نهر الفرات تحت اسم القضاء على تنظيم داعش، ويتمثل الغرض من هذه العمليات في الواقع في مهاجمة حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية السورية.

ليس سرّاً أن يكون لحزب الاتحاد الديمقراطي ولوحدات حماية الشعب الكردية علاقات وثيقة مع منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية، التي تخوض تمرداً في تركيا منذ عقود. من الواضح أيضاً أن هذه العلاقة تعرّض أمن تركيا القومي للخطر. ومع ذلك، لا يمكن حل هذه المسألة بتجاهل القضية الكردية في تركيا والبلدان المجاورة، وكذلك تجاهل العلاقة بين القضية الكردية وتخلف الديمقراطية والقانون ومؤسسات حقوق الإنسان في المنطقة بأسرها. لا يمكن حل القضية من خلال العمليات العسكرية في ظل تجاهل المطالبات بالحقوق الأساسية المتعلقة بالهوية والثقافة. إن الاعتماد على العمليات العسكرية كحل لا يعني فقط أنك تقوم بخداع نفسك، وإنما هو أيضاً اختصار لترك المنطقة مدفونة تحت انهيار جليدي.

إن “سياسة التوازن”، التي تحاول تركيا اتباعها بين الولايات المتحدة وروسيا، لا تفلح إلا عندما تكون أنقرة مستعدة لتقديم تنازلات، وتعكس السياسة الخارجية التركية المحاصرة لأن كل خيار له تكلفة.

كانت قضية القس الأميركي أندرو برانسون مثالاً واضحاً على تحول تركيا إلى سياسة “خطوة واحدة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء” عندما تكون يائسة. من وجهة نظر روسيا، تمثل تراخيص أنقرة المجانية لمشروع خط أنابيب تركستريم الذي تدفع فيه روسيا نفقات البناء فحسب بينما تقع كل الأعباء المالية على عاتق تركيا، وتعهد أنقرة بالالتزام المالي في مشروع محطة أكوكيو للطاقة النووية، والإبقاء على الجهاديين الذين تم نقلهم من مناطق مثل الغوطة الشرقية والسويداء والقنيطرة وحمص إلى إدلب تحت السيطرة بعض التنازلات المقدمة إلى الكرملين.

قرار انسحاب الولايات المتحدة سيضفي الشرعية على بشار الأسد على الساحة الدولية، سواء قررت واشنطن مغادرة البلاد بالكامل أم خفضت فحسب تأثيرها السياسي والعسكري في المنطقة.

قد لا تعترض موسكو على وجود الجيش التركي في شرق الفرات إذا وافقت تركيا على عدم التوغل في العمق والبقاء على مقربة من الخط الحدودي. بالطبع، قد يحدث هذا بشرط انسحاب تركيا من سوريا عندما يحين الوقت. ومع ذلك، فإن هذا هو بيت القصيد: إلى أي مدى يمكن أن تتحمل موسكو الاتفاق بين واشنطن وأنقرة. إذا سلّمت الولايات المتحدة مواقعها العسكرية في سوريا إلى الجيش التركي، فقد تتعاون موسكو مع حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية السورية كأداة ضغط على تركيا. من المحتمل أن يعترض الكرملين على قيام واشنطن وأنقرة بتناول “الوجبة السورية” التي قامت بطهيها موسكو وأنقرة وطهران في أستانة.

إذا سارت الأمور أيضاً في الاتجاه المعاكس، فإن تهديد الجهاديين على أمن تركيا في إدلب قد يتحول إلى هاتاي، وهي مقاطعة تركية جنوبية متاخمة لسوريا، من خلال هجوم للنظام السوري بإذن من طهران وموسكو. بالطبع، يجب أن نضيف طموحات الأسد للانتقام من أنقرة.

لذلك، يتعين على أنقرة أن تتفق مع واشنطن وأن تنسّق مع موسكو في عملياتها المحتملة في منبج وفي شرق الفرات، كما يجب أن تكون قادرة على “الرقص” بين واشنطن وموسكو أثناء العمليات العسكرية وبعدها. لكن هذه الخطة تكاد تكون مستحيلة في المدى المتوسط.

أما رضا ضراب، وهو تاجر ذهب إيراني تركي واجه اتهامات بالتهرّب من العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران بمساعدة مسؤولين أتراك، فقد أقر بأنه مذنب في سبع تهم في الولايات المتحدة.

ويبدو أن إقرار ضراب بالذنب يؤكد أن تركيا عملت عمداً على تقويض العقوبات المفروضة على إيران وساعدت البرنامج النووي الإيراني، الأمر الذي أدى إلى تسارع التوتر بين البلدين الحليفين في حلف شمال الأطلسي (الناتو). كما يثير مايكل فلين، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، قلقاً آخر لتركيا، إذ أنه يخضع للتحقيق أمام ممثلي الادعاء في الولايات المتحدة بسبب ممارسة الضغط غير القانوني لصالح تركيا بتوجيه من رجل الأعمال التركي إيكيم ألبتكين، وهو مرتبط بالرئيس التركي. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال قائمة المهام التي يتعيّن على تركيا القيام بها تشمل اتخاذ قرار في إدلب قبل أن تتحول إلى طريق مسدود وضمان أن تدير الولايات المتحدة ظهرها لحزب الاتحاد الديمقراطي ولوحدات حماية الشعب الكردية والحد من علاقة روسيا بالأكراد السوريين، وتجنب أي موقف يجعل وجود الجيش التركي في سوريا موضع شك ومنع أي مناقشات بشأن الحكم الذاتي بين دمشق والأكراد.

في النهاية، السؤال الملح هو لماذا تريد تركيا إرسال الجيش التركي إلى الخطوط الأمامية تحت اسم القضاء على حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية بدلاً من إيجاد طريقة للحوار المباشر مع دمشق.

 

التعليقات

يرجى ادخال الاسم

يرجى ادخال الايميل

يرجى ادخال التعليق

تم اضافة التعليق مسبقاً

تم الارسال بنجاح

اترك تعليقاً