موقع اشكرة | وقفة عند مراجعات جماعات الإخوان المسلمين واتجاهات تطورها

وقفة عند مراجعات جماعات الإخوان المسلمين واتجاهات تطورها

كشكول

وقفة عند مراجعات جماعات الإخوان المسلمين واتجاهات تطورها

أشكرة | عريب الرنتاوي

لا يكاد يمضي يوم من دون أن يتصدى كتاب ومفكرون ومحللون بالنقد والتحليل والاستشراف لواقع جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة العربية ومآلاتها، وما إن كانت الجماعة قد أجرت ما يكفي من المراجعات لتجربة صعودها وهبوطها، وما إن كانت نجحت في استخلاص ما هو مناسب من دروس "التجربة المرة" التي مرت بها، ودفعت أثمانها.
موجة الإعدامات الأخيرة لنشطاء شباب من الجماعة حفزت أنيت رانكو ومحمد ياغي للتوقف أمام الانقسام الهيكلي للجماعة في مصر، وتوزع الجماعة على تيارين يتنافسان على إرثها وشرعيتها.
بيان الإخوان المسلمين في سوريا دفع كتاب كثر، من بينهم برهان غليون وآخرين، للحديث عن "القومي والأممي" في خطاب الجماعة، وموقفها من "نظرية التغيير".
خليل العناني تناول بالتحليل "الأعمدة الأربعة" لخطاب الجماعة وممارستها (الدعوي، التربوي، الاجتماعي والسياسي) وكيف أفضت "المراهقة السياسية و"نظرية التمكين" إلى تحويل "السياسي" إلى معول هدم لبقية الأعمدة الدعوية والتربوية والاجتماعية التي استندت إليها الجماعة في عملها تاريخيا.
لائحة الاتهام التي تقدم بها 43 نائبا تونسيا من مدارس مختلفة، لما أسموه "التنظيم السري/الخاص" لحزب النهضة ومسؤوليته على جريمتي اغتيال الزعيمين اليساريين محمد البراهمي وشكري بلعيد، فتحت الباب لنقاش حول موقف الجماعة من "العنف" و"الإرهاب"، وما إن كانت تخلصت فعلا من "تجربة التنظيم الخاص" الذي رافق الجماعة منذ نشأتها في موطنها الأول: مصر.

جدوى المراجعات وجديتها
ثمة ما يشبه الإجماع بين معظم المراقبين والمحللين من خارج الجماعة، بأنها لم تجر المراجعة المطلوبة لتجربتها التاريخية الممتدة على مدى تسعين عاما، وبالأخص في العقد الأخير، الذي بلغ فيه نفوذ الجماعة وسطوتها حدا غير مسبوق في تاريخها وتاريخ المنطقة، قبل أن ينهار حكمها وسلطتها، بوتيرة أسرع من وتائر صعودها على أجنحة "الربيع العربي" بثوراته وانتفاضاته.
والمراجعة إن وقعت في هذه الساحة أو تلك، فقد جاءت متجزأة ومنقوصة، فالجماعة على صواب في كل ما هو استراتيجي وبعيد المدى، أما أخطاؤها فتكتيكية، وغالبا فردية، في حين نجمت المآلات الكارثية التي انتهت إليها عن "تكالب" الآخرين عليها، واشتداد "مؤامراتهم" على الإسلام والمسلمين، في إعادة إنتاج متكررة لخطاب "المظلومية" الذي طالما استثمرت فيه الجماعة بكفاءة واقتدار نادرين.
"المراجعة المحظورة" أو "المراجعات الناقصة و"المجتزأة"، قادت إلى وقوع تشققات كبرى في جدران منظومة "السمع والطاعة" التي قامت عليها الحياة الداخلية للجماعة منذ تأسيسها في العام 1928، فرأينا ولادة أحزاب وتيارات خرجت من رحم الجماعة الأم، بعضها ذهب نحو مزيد من التطرف والغلو والعنف، وبعضها الآخر ذهب في اتجاه تشكيل أحزاب وجماعات "مدنية ـ محافظة" ذات مرجعية إسلامية، في محاولة للسير على خطى حزبي العدالة والتنمية في تركيا والمغرب والنهضة في تونس. وبالرغم من أهمية هذه الانشقاقات وخطورتها على صورة الجماعة ومكانتها ونفوذها، إلا ان الجماعة ستواجه ظاهرة أخرى، لا تقل أهمية وخطورة عن الأولى، وهي ظاهرة الانسحابات والاستقالات الفردية، ولعناصر قيادية عليا ووسطى فيما يشبه حالة "النزيف الدائم"، فضلا عن "عزوف" الشباب والنشطاء عن مزاولة أنشطتهم داخل مؤسسات الجماعة وأذرعها المختلفة، الأمر الذي أبقاها في أدنى درجات النشاط والفاعلية.
تختلف اتجاهات المراجعة ووجهتها ومدى عمقها باختلاف السياق السياسي والأمني الذي تعمل فيه الجماعات المختلفة في الدول المختلفة، ففي الوقت الذي انبثق عن جماعة الإخوان المصرية تيار عنفي (جناح محمد كمال)، تحت ضغط الضربات المؤلمة التي تعرضت لها الجماعة بعد أحداث حزيران/يونيو 2013، فإن المراجعات الإخوانية في الأردن قد انتهت إلى انبثاق تيار "محافظ ـ مدني"، تمكن من "فك ارتباطه" التنظيمي والفكري والسياسي مع الجماعة، وهو يقدم نفسه بأحزابه المختلفة، كتيار وطني ـ ديمقراطي ـ محافظ، ذي مرجعية قيمية وأخلاقية إسلامية، في إعادة تأكيد على الطابع الجدلي للعلاقة بين التطرف والاستبداد، ففي مناخات أقل استبدادا، تتزايد فرص انبثاق تيارات سلمية ومدنية، أما في مناخات الاستبداد والقبضة الحديدة، فإن الوجهة المرجحة لهذه المراجعات، تدفع باتجاه ولادة تيارات أكثر عنفا وأكثر ميلا للغلو والتطرف سياسيا وفكريا، وفي ذلك درس وخلاصة، يمكن للحكومات العربية والمجتمع الدولي أن تتوقف أمامها إن هي أرادت لمجتمعات المنطقة وشعوبها، أن تتجاوز "سيناريو الفوضى".

أعمدة الإخوان الأربعة
تقوم فكرة الإخوان وتنظيمهم على أعمدة أربعة: دعوي، تربوي، اجتماعي وسياسي. المحور السياسي هو الأكثر حداثة بالمعنى النسبي في عمل الجماعة وأولوياتها، وخبرة الجماعة في هذا الحقل هي الأضعف قياسا بخبراتها المتراكمة في الحقول الأخرى.
مقالة رانكو ـ ياغي تورد أرقاما عن أعداد المؤسسات والجمعيات والمراكز التي أغلقتها الدولة المصرية منذ أن أعلنت "جماعة الإخوان المسلمين" تنظيما إرهابيا، منها 1225 جمعية خيرية و105 مدارس و83 شركة و43 مستشفى ومركزَين طبيين كبيرين.
تذكرنا هذه الأرقام بجمعية المركز الإسلامي الأردني، الذراع الاقتصادية ـ الاجتماعية لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، والتي عُدّت ثاني أكبر "الصناديق" في الدولة بعد صندوق الضمان الاجتماعي، بما يتوفر عليه من عشرات الجمعيات والمراكز والمدارس والمؤسسات، والجماعة الأردنية، كما المصرية، نجحت في بناء الكليات والجامعات والمستشفيات والمراكز الطبية الكبرى.
ومثلما فقدت الجماعة الأم أعمدة نفوذها وسلطتها الأربعة، بعد إغلاق المؤسسات المذكورة، بالإضافة إلى مقتل ما يزيد عن الـ 800 كادر وناشط وقيادي منذ أواسط العام 2013، وإعدام أكثر من أربعين قياديا وعنصرا، واعتقال عشرات الألوف (40 ـ 60 ألف) وهرب ألوف أخرى إلى المنافي الإجبارية والاختيارية. فإن الجماعة الأردنية، فقدت بدورها أكبر وأطول ذراع لها عندما أقدمت حكومة الدكتور معروف البخيت عام 2006، على "وضع اليد" على جمعية المركز الإسلامي الأردني بمختلف مرافقه، وهي القضية التي ما زالت موضع تجاذب بين الحكومة والجماعة، مع تراجع فرص وحظوظ الجماعة في استرداد سيطرتها على الجمعية، مع كل سنة تمر.
التنظيم السري أو الخاص رافق الجماعة الأم مبكراً
لكن الجماعة الأردنية تبدو محظوظة قياسا بشقيقتها المصرية، فالمقاربة الأردنية في التعامل مع الإخوان المسلمين، تعتمد أسلوب العصا والجزرة، بخلاف الحال في مصر، حيث لا مطرح للجزر على الإطلاق، فيما عصا النظام تبدو غليظة للغاية، وتترك للإخوان واحدا من مصائر ثلاث، لا رابع لها: السجن، القبر والمنفى، وربما هذا ما دفع بأحد أبرز قادة حزب العدالة والتنمية المغربي ورئيس أول حكومة يشكلها الحزب عبد الإله بنكيران للقول: لو عرف إخوان الأردن حجم الضغوط التي يتعرض لها الملك للقضاء عليهم، لأقدموا على تقبيل يديه"، وفي ظني أنه يقصد الضغوط المصرية ـ السعودية ـ الإماراتية على وجه الخصوص.
خلاصة القول، إن التجربة السياسية لجماعة الإخوان في عديد من الدول العربية، لم تقربهم من السلطة، ولم تُبقهم على رأسها بعد أو وصلوا إليها، ولذلك أسباب عدة من بينها ضعف خبرتهم، وميلهم للهيمنة والتفرد والاستئثار، ونظريتهم المؤسسة: تمكين الجماعة، فضلا عن ضيق الآخرين بهم وتآمرهم عليهم، لكن النتيجة بمعزل عن الأسباب، أن خسارة الإخوان في كل مرة لم تكن سياسية فحسب، بل ومست هرم نفوذهم وأعمدة سطوتهم، وخزان مؤيديهم من جيوش الطلاب والعاملين والمستفيدين من مؤسساتهم التربوية والاجتماعية والدعوية.

الجماعة والعنف
في كثير من الدول، انخرطت جماعة الإخوان في ممارسة العنف، تجربتهم في سوريا ومصر واليمن تقف شاهدا على هذا "التورط"، والعنف في أساسه هو الوليد "غير الشرعي" لأفكار سيّد قطب وتعاليمه، التي تكفر جاهلية الدولة والمجتمع. لكن مع التغير الذي أصاب خطاب الجماعة بعد سلسلة من التجارب القاسية والمكلفة، بدأ الحديث عن "العنف" يرتبط بنظرية "الدفاع المشروع عن النفس"، أو "وفقا لنظرية "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب"، وهو ما أشارت إليه مقالة رانكو ـ ياغي المنشورة على موقع الحرة.
التنظيم السري، أو الخاص، رافق الجماعة الأم مبكرا، وقد تورط في تنفيذ عمليات اغتيال ومحاولات اغتيال في العهدين الملكي والناصري في مصر، والاتهامات لحزب النهضة بالاحتفاظ بتنظيم خاص مسؤول عن جريمتي اغتيال البراهمي وبلعيد تعيد التذكير بتجربة التنظيم الخاص في مصر، حتى وإن لم تثبت الاتهامات بعد على حزب النهضة. فيما "تيار حماة، أو الطليعة المقاتلة" لإخوان سوريا تقدم نموذجا إضافيا على ميل مستدام لممارسة العنف، إن لم يكن لأسباب "تكفيرية" تبرر "القتل الجماعي" الذي لا يستثني المدنيين والأبرياء، فمن باب "القصاص العادل" أو الدفاع عن النفس الموجه ضد قوات الأمن ومؤسسات السلطة ومرافقها.
إذا كان إخوان مصر، تيار محمد كمال، قد تورطوا في إقامة تحالفات وائتلافات مع جهات جهادية مثل "حسم" و"العقاب الثوري" و"لجان المقاومة"، فإن جماعة إخوان سوريا، قد تورطوا في تحالفات (وما زالت) مع جبهة النصرة وتنظيم القاعدة في إدلب ومحيطها، فضلا عن عشرات الجماعات السلفية الجهادية في سوريا خلال السنوات الثماني الماضية.
أما في اليمن، فقد ارتبط التجمع اليمني للإصلاح بعلاقات تحالفية مع جماعات سلفية جهادية في حربه المفتوحة ضد الحوثيين وبدعم من التحالف السعودي ـ الإماراتي، والأمر ذاته ينطبق على ليبيا ومن قبلها على العراق كذلك.
خلاصة القول، إن مراجعات الجماعة لمواقفها من قضايا العنف والإرهاب، وإن كان قد ابتعد بها كثيرا أو قليلا عن نظرية تكفير الدولة وجاهلية المجتمع، إلا أنها ما زالت تجد ما "يشرعن" لجوءها للعنف والإرهاب، إن في نظرية "القصاص" أو بذريعة "الدفاع المشروع عن النفس"، وبما يسمح دائما بإيجاد قواسم مشتركة تسوغ التحالف والعمل المشترك مع السلفية الجهادية بمسمياتها الإرهابية المختلفة. هذا الملف، لم يغلق بعد، ولم تطله المراجعات المطلوبة، حتى بالنسبة للجماعات الإخوانية التي لم تجد نفسها تاريخيا مضطرة للجوء إلى السلاح والعنف.

الأممي والقومي
توالت إعلانات "فك الارتباط" بين فروع الإخوان والتنظيم الدولي للجماعة في السنوات القليلة الفائتة.. بدأت المسألة بحزب النهضة في تونس، ولم تنته عند حركة حماس في وثيقتها الأخيرة. وثمة أنباء تتحدث عن "نية" الجماعة الأردنية لإطلاق إعلان مشابه، كنتيجة لمراجعات تجريها الجماعة، لا نعرف أين وصلت في عمقها وجديتها.
وعادة ما تأتي هذه الإعلانات مترافقة مع تشديد على "الهوية الوطنية/ القومية" للجماعة بوصفها فصيلا وطنيا، يضع في صدارة أولوياته، الأجندة الوطنية للدولة المعنية.
لكن حدثين وقعا متزامنين في الأسابيع القليلة الفائتة، أعادا التذكير بأن الجماعة التي نشأت على نظرية "وحدة الأمة" ـ والمقصود الأمة الإسلامية بمفهومها الفضاض ـ ما زالت تغلب "الأممية الإسلامية" على الأولويات الوطنية، وما زالت تعطي هويتها الدينية مكانة متقدمة على هويتها الوطنية ـ المدنية.
الحدث الأول، تمثل في بيان جماعة الإخوان السوري الذي يستحث تركيا ورئيسها على التسريع في فرض المنطقة الآمنة شمالي سوريا، دونما اعتبار للبعد الوطني والقومي، وفي استخفاف ظاهر للنوايا والأطماع التركية الأجنبية، الأمر الذي أثار امتعاض أوساط سورية معارضة واسعة.
أما الحدث الثاني، فوقع في موسكو وعلى هامش مؤتمر المصالحة الفلسطينية الذي رعته الخارجية الروسية، حين رفضت حركتا حماس والجهاد الإسلاميتان، التوقيع على البيان الختامي لما تضمنه من نص يعتبر منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، الأمر الذي أثار استياء واسعا في أوساط الفلسطينيين الذي يربطون هويتهم الوطنية بالمنظمة، وينظرون إليها بوصفها وطنهم المؤقت إلى أن يستعاد وطنهم الدائم.
في كلتا الحالتين، بدا أن الإخوان يعطون الأولوية للجماعة على الدولة وسيادتها وتمثيلها وهويتها، ولهويتهم الدينية على حساب هويتهم الوطنية، ليبقى التساؤل مشروعا حول مغزى الإعلانات المتكررة عن الانفكاك التنظيمي والفكري عن التنظيم الأم/الدولي، وما إذا كانت الإعلانات المذكورة، دلالة تطور عميق في فكر الجماعة، أو ضربا من ضروب "التقية" تمارسها من باب "الانحناء أمام العاصفة".
قصارى القول، إن الجماعة وعلى الرغم من العواصف والزلازل التي ضربتها في غير ساحة، ما زالت على استنكافها عن إجراء مراجعات استراتيجية ـ فكرية عميقة، من شأنها تجديد وعيها وتأصيله وتجذيره، وهي تتطور باتجاهات مختلفة، تبعا لاختلاف السياقات الأمنية والسياسية والاجتماعية، بعضها يذهب نحو مزيد من الغلو والتطرف والعنف، وبعضها الآخر يذهب نحو ضفاف الاعتدال ويسعى في بلورة تيار مدني محافظ، بمرجعيات دينية أخلاقيا وقيميا، ودنيوية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا... وسوف يتوقف على مصائر هذا المخاض المرير والمديد في أوساط الجماعة، تقرير مستقبلها برمته، بل وربما تقرير مستقبل الأمن والاستقرار في بعض دول المنطقة ومجتمعاتها.

التعليقات

يرجى ادخال الاسم

يرجى ادخال الايميل

يرجى ادخال التعليق

تم اضافة التعليق مسبقاً

تم الارسال بنجاح

اترك تعليقاً