موقع اشكرة | حرب النفوذ تُشعل الصراع بين الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية

حرب النفوذ تُشعل الصراع بين الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية

ويكي ميديا

حرب النفوذ تُشعل الصراع بين الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية

 في الثالث من أغسطس (آب) الجاري، كشف حديث حصري لقناة تلفزيون "بي بي سي" الناطقة باللغة الفارسية مع مازيار إبراهيمي، سجين سابق في إيران يقيم في ألمانيا، إلى أي مدى تتصارع أجهزة الاستخبارات في إيران في ما بينها، سعياً إلى نفوذ أكبر داخل نظام الحكم في طهران الذي أصبح كالمتاهة، إذ أجبرت وحدة استخبارات الحرس الثوري التابعة للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وزارة الاستخبارات والأمن القومي التابعة للرئيس حسن روحاني على إطلاق سراح 13 شخصاً اتُّهموا زوراً بالتجسس لصالح إسرائيل، وأُرغموا تحت التعذيب على الإدلاء بشهادات كاذبة سجلها التلفزيون الإيراني الرسمي وبثها للشعب الإيراني قبل أن تتكشف الحقيقة ويُطلق سراحهم.

ووفقاً لمجلة "فورين بوليسي" الأميركية، فإن حديث مازيار إبراهيمي لـ "بي بي سي"، سلّط الضوء على نقطة بارزة من تاريخ الصراع بين جهازين أمنيين استخباريين، يحاول كل منهما أن يثبت أفضليته، وأنه الحريص على مصلحة إيران، لكن العراك العلني الذي وصل إلى إنتاج مسلسلات تلفزيونية تمجّد وحدة استخبارات الحرس الثوري وتقدح في وزارة الاستخبارات، أصبح ينذر بخلاف متصاعد قد تكون له انعكاسات على السياسات الداخلية والخارجية.

وزارة الاستخبارات ليست "شرطياً جيداً"

وتقول "فورين بوليسي" إن المقابلة التلفزيونية قوّضت من الاعتقاد التقليدي السائد أن وزارة الاستخبارات هي "شرطي جيد" بمعنى أنها أكثر عقلانية واتزاناً ومسؤولية مقارنة بوحدة استخبارات الحرس الثوري الإيراني ذات التوجه المتشدد. فقد أمضى مازيار إبراهيمي أكثر من عامين في سجن "إيفن" في ضواحي طهران من يونيو (حزيران) 2012 وحتى أغسطس 2014 بتهمة المشاركة مع 12 شخصاً آخرين في اغتيال أربعة من علماء الذرة الإيرانيين بين عامي 2010 و2012.

طوال هذه الفترة، تعرّض إبراهيمي لتعذيب وحشي لإجباره على الإدلاء باعترافات عن تورطه المزعوم في عمليات قتل علماء الذرة الإيرانيين، ما أصبح معروفاً بالمحاولات المتواصلة من وزارة الاستخبارات التي كان يقودها حينذاك حيدر مصلحي للحفاظ على ماء وجهه، بعد فشل وزارته الذريع في الحيلولة دون اغتيال علماء الذرة الإيرانيين.

وحسب إبراهيمي، فإن 107 أشخاص بمن فيهم شقيقته وزوجته الحامل وشقيق زوجته، اعتُقلوا خلال هذه الحملة، وخلال سبعة أشهر من الاعتقال وبعد اعترافه بكل ما طلبوه عن تورطه في الاغتيالات وبث هذه الاعترافات عبر شاشات التلفزيون الرسمي في فيلم وثائقي تحت اسم "نادي الإرهاب"، طالبه محقق من وزارة الاستخبارات بتحمل مسؤولية تفجير "كانيه" وهو انفجار هائل في مصنع للصواريخ خارج طهران، وقع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 ولقي فيه العشرات حتفهم، ومن بينهم الجنرال حسن طهراني مقدم، أبو صناعة الصواريخ في إيران، كما اتهمت إيران إسرائيل بتدبير التفجير، لكن وحدة استخبارات الحرس الثوري الإيراني تدخلت في هذا التوقيت وأوقفت التعذيب، إذ أدركت أن كل اعترافات إبراهيمي السابقة مزيفة ووقعت تحت التعذيب.

تنافس وعدم ثقة

لقد بدا أن الحرس الثوري المسؤول عن تأمين وتطوير برنامج إيران الصاروخي، اعتبر أن المسألة أصبحت من الخطورة أن تُدار من قبل هيئة استخبارية أخرى. وكان هذا التنافس وعدم الثقة المتبادلة بين جهازَيْ الاستخبارات الرئيسَيْن في إيران في قلب قضية الاغتيالات، ما مهّد الطريق لإطلاق سراح إبراهيمي، لكن اللقاء الذي بثته "بي بي سي"، دفع عدداً من المشرعين الإيرانيين إلى المطالبة بتفسير رسمي من وزارة الاستخبارات عن ملف الاغتيالات وما قد يُحدثه من تأثير في مصير آخرين في ظروف مماثلة.

وتقول المجلة الأميركية، إنه مثلما أُعدِم أحد المتهمين في قضية الاغتيالات مع إبراهيمي، أي ماجد جمالي فاشي في مايو (أيار) 2012، فإن هناك سجيناً آخر ينتظر الإعدام هو الطبيب السويدي الإيراني أحمد رضا جلالي، المحاضر في معهد كارولينسكا في ستوكهولم، الذي اعتقلته وزارة الاستخبارات أيضاً في أبريل (نيسان) 2016 وحُكم عليه بالإعدام بتهم مشكوك في صحتها تتعلق بالتورط في التجسس على المشاريع الذرية الإيرانية.

لماذا أنشأ الحرس الثوري وحدته الاستخبارية؟

خلال احتجاجات ما سُمي "بالثورة الخضراء" ضد تزوير الانتخابات عام 2009 التي منحت الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد دورة حكم ثانية، كان هناك اتجاه قوي داخل وزارة الاستخبارات والأمن القومي، التي تأسست عام 1984 بعد حل استخبارات الشاه المعروفة باسم "سافاك"، ضد الخطاب الحكومي والدعاية اللّذين مارستهما إدارة أحمدي نجاد، وهي دعاية دعمها في حقيقة الأمر الحرس الثوري ومكتب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وهنا بدأ الخلاف في الظهور على السطح، إذ رفض المرشد الأعلى والحرس الثوري والرئيس نجاد إمكانية تزوير الانتخابات ووصفوا المتظاهرين بأنهم "مُحرضون مدعومون من الخارج بهدف تغيير النظام".

وتقول المجلة الأميركية إنه مع خشية حدوث انقلاب أو أي تحد منظم ضد الحكومة عقب الاحتجاجات واتهام وزارة الاستخبارات والأمن القومي بالفشل في منعها، أنشأ الحرس الثوري جهاز استخبارات مستقل عام 2009 يأتمر بأمر المرشد الأعلى آية الله خامنئي الذي عيّن حسين طيب، مديراً لها.

الصراع يحتدم

تحت إدارة الرئيس محمد خاتمي بين عامي 1997 و2005 وفي أعقاب سلسلة من الاغتيالات طالت مثقفين ومؤلفين وكتاب منشقين خلال فترة التسعينيات، التي نُسبت في النهاية إلى "عناصر مارقة" داخل وزارة الاستخبارات، اتُخذت إجراءات شديدة ضمن حملة تطهير داخل وزارة الاستخبارات لضمان عدم تكرار هذه الحوادث.

لكن التطهير الذي قادته إدارة الرئيس خاتمي وعدد من رجال الأمن الاستراتيجيين المحسوبين على التيار الإصلاحي، أنتجت بذوراً من الشك بين القوى المتشددة، بمن فيها كبار المسؤولين في الحرس الثوري بأن وزارة الاستخبارات لا يمكن الوثوق فيها بشكل كامل. وبينما كانت حركة الإصلاح تتأرجح داخل المجتمع الإيراني والنظام الحاكم على حد سواء، كثف الحرس الثوري جهوده للتأكد من ثني  الإصلاحيين عن تولي زمام الأمور أو التغلغل داخل مؤسسات الدولة.

أصل الصدام

ويعود الصدام الذي كان ولا يزال مستمراً إلى الآن، إلى طبيعة "هوية" جمهورية إيران الإسلامية، والطريقة التي ينبغي أن تُحكم بها إيران، فالإصلاحيون بما فيهم وزارة الاستخبارات، بلوروا رؤية سياسية في الداخل، تؤكد الحكم الديمقراطي وحرية الصحافة ومجتمعاً مدنياً نشطاً وانتخابات عادلة، وفي الخارج ترتكز على سياسة الانفراج والحوار.

في المقابل، سعى المتشددون إلى الحفاظ على طبيعة النظام الثوري للدولة الذي يرتكز في الداخل على مبدأ "الوصاية المطلقة" للمرشد الأعلى للثورة باعتباره ممثل الله على الأرض في غياب الإمام المعصوم من الذنوب لدى الشيعة، بينما يرتكز في الخارج على سياسة ثورية. 

الصراع الأيديولوجي بين الفريقين ازداد وهجه مع بروز اختلاف رؤية كل منهما للأمن القومي والمفاهيم المرتبطة به مثل التجسس والاختراق والتخريب ومكافحة التجسس. فبالنسبة إلى الإصلاحيين، أصحاب المنهج الأكثر عقلانية بشأن الحكم، فإن الأمر يعني تأمين المصالح الوطنية للبلاد بشكل متوازن ودائم، لكن بالنسبة إلى المتشددين، فإن الأمر يعني الحفاظ على مصالح نظام إيران الذي يمنح الأولوية للنظام الحاكم على حساب الدولة.

ولهذا، فإن سمعة وزارة الاستخبارات لدى الاصلاحيين جيدة، فهم يرونها "شرطي جيد".

توترات 2015

لكن التوتر بين الجهازين اتخذ منحى تصعيدياً في صيف 2015 حينما انتهى ماراثون المفاوضات بين القوى الدولية وإيران إلى الاتفاق النووي، ففي حين عملت إدارة الرئيس حسن روحاني على تسهيل التجارة الخارجية وتحفيز المهاجرين الإيرانيين على العودة إلى إيران والاستثمار فيها، شنت قوات الحرس الثوري حملة أمنية شرسة لمكافحة ما سبق وحذر منه خامنئي وأسماه "التسلل والتخريب الناعم"، استهدفت ذوي الجنسية المزدوجة، بمن فيهم عدد من الأكاديميين وأصحاب المشاريع الرائدة الذين تدفقوا إلى البلاد على أمل بناء إيران جديدة.

لم تحرم هذه الحملة الاقتصاد الإيراني من مصادر جديدة ومهارات حديثة متطورة فحسب، بل أثرت سلباً في السياسة الخارجية الإيرانية بشكل عام، وانعكس ذلك على علاقات إيران بالدول التي يحمل جنسيتها عدد من الناشطين الإيرانيين وكانوا ضحايا للنظام في طهران مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والسويد وفرنسا وأستراليا.

فشل استخباري

ومع ذلك، فشلت إجراءات مكافحة التسلل في وقف الخروقات الأمنية والفضائح، وزادت الشكوك بأن مراكز السلطة المتشددة مثل الحرس الثوري هو الذي يجري اختراقه، ففي بداية عام 2018، تمكن عملاء جهاز الاستخبارات الإسرائيلية "الموساد" من الحصول على ما يصل إلى نصف طن من الوثائق الخاصة بأرشيف الملف النووي الإيراني من أحد المخازن في إيران وشحنها إلى إسرائيل في عملية استمرت ست ساعات و29 دقيقة، ونظراً إلى طول العملية وإلى أنها معقّدة، لم يكن لها أن تحظى بالنجاح في غياب تنسيق وتسهيل داخلي.

ورداً على هذه العملية، ضاعف الحرس الثوري من جهود مكافحة الاختراق والتسلل ومكافحة التجسس، ولكي يغسل يديه من الفشل، كان كبش الفداء تسعة أشخاص من نشطاء البيئة الذين اتُّهموا بالتجسس على المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية، على الرغم من الاعتراضات التي أثارتها وزارة الاستخبارات ومجلس الأمن القومي الأعلى بأن المعتقلين أبرياء.

وأدّت عمليات القمع هذه، إلى وفاة أكاديمي كندي إيراني هو كافوس سيرامامي الذي كان من بين نشطاء البيئة التسعة، في حين لا يزال الثمانية الآخرون قيد الاعتقال.

معركة التشويه

ولإصلاح صورتها أمام الرأي العام، شنت استخبارات الحرس الثوري حملة علاقات عامة صوّرت فيها إدارة الرئيس روحاني ووزارتي الخارجية والاستخبارات على وجه الخصوص بأنهما السبب الرئيس وراء مشكلات الأمن القومي لإيران. وخلال الأشهر الماضية، بث التلفزيون الرسمي لإيران حلقات جاسوسية مدة كل منها نصف ساعة، تُعظم وتُمجد دور الحرس الثوري واستخباراته في حماية المصالح الاستراتيجية لإيران ضد محاولات التخريب التي يقوم بها أصحاب التوجهات الغربية الغادرين داخل أجهزة الحكم.

وقد أثارت سلسلة الحلقات التلفزيونية اعتراضات قوية من أعضاء في البرلمان الإيراني ومن حكومة روحاني، بمن فيهم محمد جواد ظريف، وزير الخارجية.

كفة المتشددين

ومع استمرار العقوبات الاقتصادية وسياسة الضغوط القصوى التي تتّبعها الولايات المتحدة الأميركية، بالتوازي مع التوترات العسكرية في الخليج والتهديدات المتزايدة بالحرب، صبّ تطور الأحداث في صالح المتشددين الذين استفادوا من تضاؤل المصادر المالية للدولة وتزايد الحاجة إلى الأمن ورفع حالة التأهب العسكري، وبالتالي أصبحت لديهم اليد الطولى. ولهذا، لا عجب في أن إيران كثفت من قمع المعارضة داخل المجتمع وتبنت أسلوباً أكثر عدائية في سياستها الخارجية حسب مجلة "فورين بوليسي" الأميركية.

المصدر : اندبندنت عربية

 

التعليقات

يرجى ادخال الاسم

يرجى ادخال الايميل

يرجى ادخال التعليق

تم اضافة التعليق مسبقاً

تم الارسال بنجاح

اترك تعليقاً