موقع اشكرة | الجيش المحمدي: محاولة أردوغان الجديدة لارتداء عباءة الفاتح

الجيش المحمدي: محاولة أردوغان الجديدة لارتداء عباءة الفاتح

ويكي ميديا

الجيش المحمدي: محاولة أردوغان الجديدة لارتداء عباءة الفاتح

عاد رجب طيب أردوغان مع انطلاق الحملة العسكرية شرق نهر الفرات شمالي سوريا إلى إعطاء غطاء ديني لأفعاله، واستثارة مفهوم الجهاد ليس في أذهان الجنود فحسب وإنما عند عموم الشعب التركي في محاولات مستمرة لنحت الشخصية التي يريد تقديمها للرأى العام باعتباره السلطان العثماني الفاتح.

وشبّه أردوغان في تغريدة على حسابه بتويتر القوات التي تشارك في الاجتياح العسكري التركي لشمالي سوريا بأنها “جيش محمدي”، وتمنى النجاح لها ولكافة العناصر السورية التي تقف بجانب أنقرة، في إشارة منه إلى فصائل المعارضة الموالية لتركيا.

 

يشكّل توظيف المقدس في جوهر السياسة التي دأب عليها الرئيس التركي، حيث عمد في كل مرة إلى إلصاق مسميات إسلامية على جرائمه ليصبغها بصبغة دينية. وما إطلاق وصف “الجيش المحمدي” على الجيش التركي إلا محاولة منه لإضفاء نوع من القداسة على الحملة العسكرية العدوانية التي يهدف من خلالها إلى احتلال جزء من أراضي دولة عربية، بعد أن جعل من دخول المنطقة في الفترة السابقة مشروع حياته السياسية ومسألة حياة أو موت بالنسبة إليه.

ويبرهن خطابه حول العملية العسكرية في شمال سوريا انسجامه مع نفسه وتاريخه كزعيم شعبوي يؤمن بعسكرة الدين وتجييش الجماهير في ممارسته للسياسة، حيث سبق أن سجن بسبب إطلاقه شعارات جاء فيها “مساجدنا ثكناتنا.. قبابنا خوذاتنا.. مآذننا حرابنا.. والمؤمنون جنودنا.. هذا هو الجيش المقدس.. الذي يحرس ديننا”، وهي عبارات تختزل عقليته السياسية الراهنة كزعيم إسلامي يبشّر بفاشية دينية عناصرها العقيدة والعسكرة والتعصب.

ويعود التعصب لدى أردوغان إلى تفاعل عدد من العوامل التي يرجع بعضها إلى تأثر أردوغان بشدة بالتنشئة الاجتماعية والسياسية التي تعرض لها، حيث تخرّج من مدارس “إمام خطيب” الإسلامية الدينية، وعمل في بداياته مع التيار الديني في تركيا الذي كان يمثله آنذاك نجم الدين أربكان؛ حيث كان عضوا فاعلا في حزب السلامة الوطنية ثم حزب الرفاه والفضيلة اللذين شكلهما أربكان.

ولا تعتبر أنظمة الإسلام السياسي، التي ينحدر منها الرئيس التركي، استعمال المقدس سلوكا مستغربا، فعقيدتها تقوم في منابعها على التوظيف الأيديولوجي للمقدس نصوصا ورموزا في بناء سردياتها التأسيسية ووضع منطلقاتها النظرية.

ويمثل أردوغان نموذجا للزعامة الإسلامية الشعبوية المتمرسة في توظيف المقدس لاكتساب الشرعية، من خلال استعمال الشعارات والعبارات الدينية للترويج لمشروعه السياسي.

ويهدف الرئيس التركي من وراء استدعاء الخطاب الديني إلى محاكاة المخيال الشعبي التركي مضفيا بذلك طابعا مقدسا على سياساته، كيف لا وهو الطامح إلى زعامة تركية غير تقليدية تتجاوز وزن ومكانة مصطفى كمال أتاتورك لتصل إلى إحياء صورة الفاتح العثماني.

وهو يريد في سعي محموم بعث رسالة مفادها أنه الوريث الشرعي للخلافة العثمانية من خلال تعصبه لتاريخها ورموزها. وقد قامت وسائل الإعلام التابعة لحزبه، العدالة والتنمية، بتأكيد ذلك مرارا، فعلى سبيل المثال قامت هذه الصحف بوضع صورة أردوغان بجوار صورة السلطان عبدالحميد الثاني الذي يعد واحدا من أقوى السلاطين العثمانيين.

ويعمل بصورة منهجية على الاستثمار في صورة “القائد التركي القوي” الذي يدافع عن الأمة، وتوظيفها في تسويق نفسه، وتعزيز نظرة الأتراك عن أنفسهم كأمّة متفوقة عرقيا ووصية على الإسلام والمسلمين من خلال حملها لإرث الخلافة العثمانية الآفلة.

ولا ينفك الرئيس التركي في كل مناسبة على استدعاء الخطاب الديني، سعيا منه لإضفاء هالة من القداسة على حكمه وتسعير عصبية دينية حول شخصه بصفته المدافع عن الدين والوطن، حيث دأب منذ توليه الحكم في بلاده على استخدام الدين في جميع المناسبات السياسية، كان ذلك إثر حدوث الانقلاب العسكري سنة 2016، أو في صراعه مع جماعة الداعية فتح الله غولن.

ولأن الرئيس التركي اعتاد توظيف الدين لتبرير طموحاته السلطوية، وجّه تعليماته لرئاسة هيئة الأوقاف والشؤون الدينية الرسمية علي إرباش بإلغاء الإجازات لخطبائها، والعمل على مدار الساعة، ومخاطبة فروعها بعموم البلاد، وإعداد خطب تنطلق من الكتاب والسنة، بهدف إضفاء شرعية على التوغل بالأراضي السورية.

وتناقلت وسائل إعلام مختلفة صورة الجنود الأتراك وهم يتلون سورة الفتح، وهي في الحقيقة صورة تعكس حقيقة التدخل التركي أنه ليس موجها لمحاربة “التنظيمات الإرهابية” وحدات حماية الشعب الكردية وتنظيم داعش كما تزعم أنقرة، وإنما لاحتلال جزء من الأراضي العربية تحت غطاء “الفتح”.

وكانت المفاجأة الكبرى إطلاق تسمية “نبع السلام” على الحملة العسكرية، فيما ستكون الحملة في جوهرها نبع تطرف باعتبارها ستدفع إلى تشريد وتهجير الملايين من سكان القرى الحدودية المتاخمة لتركيا ومضاعفة معاناتهم. وهو ما يفند الادعاءات والمزاعم التركية حول حماية اللاجئين، حيث تبيّن في أكثر من مناسبة أنها تستخدم هذا الملف في توفير دعم مالي لها للمقايضة السياسية مع الأوروبيين والأميركيين.

 

 احتلال تحت غطاء الفتح
 احتلال تحت غطاء الفتح

 

ورجحت مصادر سياسية أن غاية أردوغان من العملية العسكرية ضد الأكراد في الشمال السوري ليست إلا السعي لإطالة عمر نظامه الموجود حاليا في العناية المركزة، ويمثل التوغل التركي في شمال سوريا تأكيدا لنية أنقرة في احتلال المنطقة وفرض سيطرتها عليها في استعادة منها لمجد إمبراطوريتها الآفلة. وهي التي لطالما اعتبرت محافظة حلب وجزءا مهما من إدلب أراض تابعة لها تاريخيا، وأنه جرى افتكاكها منها في اتفاقات مجحفة بحقها إثر انهيار الدولة العثمانية.

وسيسمح التوغل التركي شمال سوريا في دعم الجماعات والعناصر الإرهابية كتنظيم داعش و”هيئة تحرير الشام” بسوريا، ويحول المنطقة إلى منطقة حرب مفتوحة تفتح الباب أمام تنامي وتفريخ الجماعات الإرهابية.

وقدّرت أوساط سياسية متابعة أن الاعتداء التركي سيمكن من تنامي قوة تنظيم القاعدة، ممثلا بتنظيم “حراس الدين” المتورط بإراقة دماء المدنيين السوريين خلال الأعوام الماضية، مؤكدة أن الاعتداء التركي كشف وهم ادعاء أردوغان بدعم القضايا العربية والإسلامية، وأن مواقفه السابقة لا تعدو أن تكون سوى خطابات اخترعها لاستقطاب جماعات تساعده في تنفيذ أجندته في الدول العربية والإسلامية.

وفي تعليقها على العملية استهجنت العديد من التغريدات على تويتر الخطاب الذي استخدمه المسؤولون الأتراك، وعلى رأسهم الرئيس رجب أردوغان، لشحن مؤيديهم ورص صفوفهم، حيث قال أحد المغردين في توصيف خطاب الرئيس التركي “الساحر والمنوم المغناطيسي الأكبر قام بتنويم الناس بخطاب قومي إسلامي من خلال عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون، فأسس برياحهما نظامه الحالي، لكن لما تدهورت شعبيته جراء الانشقاقات الداخلية والفشل الاقتصادي وغياب القانون بدأ يلعب اليوم على الحبل ذاته لإبقاء نظامه”.

المصدر: العرب