موقع اشكرة | شمال شرق سوريا هدية ترامب "المسمومة" لأردوغان

شمال شرق سوريا هدية ترامب "المسمومة" لأردوغان

وجهة نظر

شمال شرق سوريا هدية ترامب

بقلم حلمي همامي

لم يخرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب عند إعلانه سحب قواته من شمال شرق سوريا وفسح المجال أمام عملية عسكرية تركية ضد الأكراد، عن قاعدة ترسم سياسات الولايات المتحدة تجاه الأزمات في العالم وهي “ليس من مصلحة الولايات المتحدة حل جميع الأزمات في العالم، وإنما المصلحة في المسك بخيوط اللعبة وتوظيفها حسب المصالح”.

ولم يفاجئ الرئيس ترامب حلفاءه وإنما باغت خصومه عندما أعلن سحب قوات بلاده من سوريا وترك الأكراد يواجهون مصيرهم بأنفسهم، حيث سيواجه المقاتلون الأكراد الذين هزموا تنظيم الدولة الإسلامية في مساحة كبيرة من سوريا بمساعدة أميركية صعوبة في صد الجيش التركي وحلفائه من الفصائل السورية، الذين اندفعوا عبر الحدود في هجوم تهدد به أنقرة منذ فترة طويلة.

ويسمح الضوء الأخضر الأميركي للحليف الأطلسي الذي لن يجِد أحداً يمنعه من اجتياح شمال سوريا وإقامة منطقته الآمنة المزعومة، وبالعمق الذي يريد ما دام الذي دفعَ وسيدفع الثمن هو سوريا وشعبها ووحدة أراضيها، وسيؤسّس مُجدداً لإحياء مُخطَّط تقسيم سوريا.

لكن التساؤل المطروح هنا: ما هو الثمن الذي ستجنيه الولايات المتحدة من وراء هذا الانسحاب، طبعا لا تقدّم واشنطن هدايا دون الحصول على هدايا أكبر قد تتضح معالمها على المستوى المنظور.

وبالعودة للعلاقات المتوترة بين واشنطن وأنقرة، يرى مراقبون أن الرئيس ترامب لن يغفر لنظيره التركي رجب طيب أردوغان اقتناءه لصفقة الصواريخ الروسية أس-400 مقابل إهمال الصواريخ الأميركية الباترويت فقدّم له “مستنقع شمال شرق سوريا” كهدية ملغومة تؤسّس لتصادم وشيك بين القوى الفاعلة في الملف السوري، ونقصد روسيا وإيران حليفتي أنقرة.

وفي أولى ردود الأفعال على العملية التركية في شمال شرق سوريا، لمّح الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى ما وصفه بـ”الصفقات من وراء الكواليس”، قائلا إنها “ليست في مصلحة المنطقة”. ولم يوضّح الرئيس الإيراني قصده من “الصفقات من وراء الكواليس”، لكنّه شدّد على أن “القضية الرئيسية اليوم ليست في شمال سوريا وشرق الفرات، إنما في منطقة إدلب”.

Thumbnail

وبالرغم من أن إيران تشاطر تركيا القلق والمخاوف إزاء الأكراد، لكن روحاني رأى بأنّ الحلّ هو أن توقف تركيا عملياتها، وأن ينضم الأكراد إلى جيش النظام السوري.

ومن المرجَّح أن يخلق الانسحاب الأميركي فراغًا في المنطقة قد يفيد رئيس النظام السوري بشار الأسد الذي هدَّد باستعادة الأراضي بالقوة إذا لزم الأمر، وفي حال ضعفت قبضة القوات الكردية السورية على شمال شرق سوريا، فقد يسهل ذلك على قوات “الأسد” ومؤيديه الروس والإيرانيين استعادة الأراضي.

ويمكن الاستدلال على ذلك بالنظر إلى أنه عندما قرر ترامب الانسحاب من شمال شرقي سوريا في ديسمبر الماضي، نجح مستشاروه في إثنائه عن ذلك بإيضاح أن الانسحاب سيمنح إيران الفرصة للتدخل بصورة أكبر في المنطقة، وهذا الرأي ما زال قائمًا حتى الآن.

كما يبدو من التجربة العراقية، فإنّ الانسحابات تترك فراغًا يمكن أن يملأه خصوم الولايات المتحدة، فقد بادرت إيران إلى الاستفادة من الفراغ التي خلّفه انسحاب الجنود الأميركيين في العام 2011، وكان لتلك الخطوة أثر بالغ في السيطرة الإيرانية في سوريا، لأن العراق كان نقطة عبور مهمّة مدّت نظام الأسد بكميّة كبيرة من السلاح وعشرات الآلاف من عناصر الميليشيات الشيعية العراقية القوية الذين غدوا الآن القوّة الأكثر سيطرة على الأرض.

واعتمادا على ما سبق قد تتضح تصريحات الرئيس الإيراني بشأن “الصفقة وراء الكواليس”، فهل منحت تركيا واشنطن ضمانات بعدم تمدّد إيران داخل المناطق الكردية؟

وليس من السهولة بمكان أن يتمكّن الجيش التركي المدجج من تحقيق نصر سريع في شمال شرق سوريا، خاصة أنّ الصراع يمكن أن يأخذ أبعادا أخرى إذا ما استغل تنظيم الدولة الإسلامية الوضع لتكثيف نشاطه في سوريا.

وقد يؤدّي صراع مفتوح مع تركيا إلى سحب المقاتلين الأكراد إلى الخطوط الأمامية، مما يسمح لبقايا التنظيم بإعادة تأكيد وجودهم في أماكن أخرى، خاصة في ظل الحديث عن خروج الآلاف من مقاتلي داعش من تحت الأرض لشنّ هجمات جديدة والتخطيط لعودتهم.

الردّ الكردي

 

مقاومة كردية شرسة
مقاومة كردية شرسة

 

سيجد الجيش التركي نفسه أمام قوات كردية عالية التسليح والتدريب، إذ أنّ الولايات المتحدة قامت بالإشراف على تدريب هذه القوات وتلقينها أبرز المناهج القتالية العسكرية، لذا فإنّ نجاح تركيا في بسط سيطرتها على المنطقة لن تكون سهلة ويمكن أن تطول إلى أبعد ممّا هو مخطط له، إضافة إلى الكلفة المادية الباهظة لهذه العملية العسكرية.

وفي وقت تعاني فيه تركيا من تدهور اقتصادي كبير، ستكون مثل هذه “الحرب” بمثابة عقاب للرئيس التركي رجب طيب أردوغان واستنزاف للموارد المالية التركية. لنفترض جدلا أنّ الجيش التركي نجح في تحقيق أهدافه العسكرية وإقامة ما يطلق عليها بمنطقة أمنة سيقع على عاتق الحكومة التركية توفير الخدمات العامة للملايين من المواطنين. فالقيادة التركية خطّطت لتحميل الولايات المتحدة لجزء من هذا العبء المالي عندما اتّفقت معها على المُشاركة في إقامة هذه المِنطقة العازلة، لكن الانسِحاب الأميركي ألقى بهذا العِبء الماليّ كاملا على الجانب التركي.

وتبقى فرضية انخراط الجيش السوري نفسه في مواجهة مع الجيش التركي واردة، خاصة وأنّ الرئيس السوري تعهد باستعادة جميع الأراضي السورية، ومن هذا المعطى وضعت واشنطن المنطقة على صفيح ساخن.

وبعد أن واجه الأكراد احتمال انسحاب القوات الأميركية العام الماضي، طرقوا أبواب دمشق بهدف إجراء محادثات تسمح للحكومة السورية وحليفتها روسيا بالانتشار عند الحدود.

ولم تحقق المحادثات أيّ تقدّم، لكنّ مثل هذه المفاوضات قد تصبح خيارا مطروحا مرة أخرى بعد الانسحاب الأميركي.

رغم أنّ الأراضي المعنية خارج سيطرة الحكومة السورية بالفعل، فإنّ التوغّل التركي سيعني أنّ الكيان المسيطر على المنطقة سيتحوّل من قوة غير معادية -هي قوات سوريا الديمقراطية- إلى تركيا ومقاتلي المعارضة الذين يريدون الإطاحة بالأسد.

ولطالما اعتبرت دمشق أنقرة قوة احتلال لها مخططات في الشمال السوري. كما لمّحت أحيانا إلى استعدادها لإبرام اتفاق مع الأكراد على الرغم من أن مفاوضاتهما العام الماضي وصلت إلى طريق مسدود.

داعش قنبلة موقوتة

 

داعش.. قنبلة قابلة للانفجار في اي لحظة
داعش.. قنبلة قابلة للانفجار في اي لحظة

 

إذا ما نجح الهجوم التركي في تحقيق أهدافه، ستجد الحكومة التركية نفسها أمام قنبلة موقوتة متمثلة في الآلاف من مقاتلي تنظيم داعش المعتقلين في سجون الأكراد. ويضمّ أحد المعسكرات، وهو معسكر الهول، عشرات الآلاف من الأشخاص بمن فيهم المتطرّفون الذين اتهمتهم القوات الكردية ومنظمات الإغاثة بالسعي إلى إعادة تأسيس حكم “داعش”.

ومنذ التغلّب على تنظيم الدولة أصبحت القوات الكردية مسؤولة عن احتجاز من يشتبه في انتمائهم إلى التنظيم، حيث احتجزت 90 ألف شخص يُعتقد أنهم من مؤيدي تنظيم الدولة. ومن بين هؤلاء عدد من زعماء التنظيم وقادته الفكريين، ومجددًا أصبح شبح عودة الجهاديين للظهور في سوريا والعراق يلوح في الأفق.

وتتيح الفوضى لتنظيم داعش فرصة للنهوض من جديد. وتشنّ قوات سوريا الديمقراطية عمليات ضد خلايا داعش النائمة منذ انتزعت من التنظيم السيطرة على آخر معاقله في وقت سابق هذا العام. ولطالما حذّر قادة الأكراد السوريين من أن قوات سوريا الديمقراطية ربما لا تتمكّن من مواصلة احتجاز أسرى داعش إذا تدهور الوضع في حالة الغزو التركي.

ووفقا لإدارة العلاقات الخارجية في الإدارة التي يقودها الأكراد بشمال سوريا، لا تزال قوات سوريا الديمقراطية تحتجز خمسة آلاف مقاتل من العراق وسوريا، بالإضافة إلى ألف أجنبي من أكثر من 55 دولة.

المصدر: العرب