موقع اشكرة |

حيرة الأتراك في إدلب

وجهة نظر

حيرة الأتراك في إدلب
أعاد التوتر التركي الروسي، بعد مقتل 7 جنود أتراك في إدلب على يد قوات النظام السوري، النقاش مجدداً في الأوساط السياسية التركية، حول علاقة تركيا مع روسيا وتواجدها في إدلب، وطاول النقاش سائر توجهات السياسية الخارجية التركية، التي اعتبرها زعيم المعارضة كمال كلجدار أوغلو، أنها باتت تُدار من طرف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وليس من طرف وزارة الخارجية، أو حتى من قبل الرئيس إردوغان نفسه.
واختلفت وجهات النظر التركية حول أسباب هذا التوتر، وما نتج عنه من قتل جنود أتراك، إلى درجة أنه أوقع الساسة الأتراك في حيرة حيال الخيارات الممكنة أمامهم، وجعل رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، كلجدار أوغلو، يتراجع عن مطالباته المتكررة حول ضرورة تطبيع علاقات الحكومة التركية من نظام بشار الأسد، حيث اعتبر أنه ليس من الحكمة مطالبة الحكومة التركية بالجلوس مع نظام، بعد استهدافه نقاط المراقبة التركية في إدلب، وقتله عدداً منهم، لكنه وضع عدداً من النقاط، التي تمثل السبيل إلى حل سياسي في سوريا، وحصرها في عدم إغفال حقيقة كون إدلب أرضاً سورية، وأنها باتت تشكل خطراً على الأمن القومي التركي، وإعادة النظر في تفاهمات سوتشي بشأن إدلب، وتوقّف تركيا عن التوجه تارة نحو الروس، وتارة أخرى نحو الأميركيين، والتوجّه نحو مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى جانب تخلي تركيا عن سياستها المطالبة بتغيير النظام السوري، وبذل جهود دبلوماسية تمهد لمرحلة انتقالية من أجل إيقاف الدم في سوريا.
أما نائب حزب الشعب الجمهوري عن محافظة إسطنبول، سازجين تانري كولو، فقد عبّر على "تويتر" عن غضبه الشديد لمقتل الجنود الأتراك، معتبراً أن لا شأن لبلاده في إدلب، وأنه عارض "منذ البداية تدخل تركيا في الحرب في سوريا، وقلت ذلك عدة مرات، لكن بالرغم من ذلك استضافت تركيا جميع عناصر الميليشيات الذين أتوا من كل أصقاع العالم".
ولم يكن النقاش حول توتر العلاقة مع روسيا هادئاً في الأوساط الإعلامية، بل فُتح على قضايا ساخنة، تتصل بالعلاقة مع روسيا ومستقبلها، والنهج المتبع في السياسة الخارجية التركية في سوريا مع ربطها بالوضع الليبي وسوى ذلك، حيث تساءل، بارتشين ينانتش، الكاتب في جريدة "حرييت"، عن ماهية العلاقة التركية الروسية، ملاحظاً أن المسؤولين الأتراك عندما كانوا يتحدثون عن حليف إستراتيجي قبل سنوات، كانوا يعنون الولايات المتحدة، بينما، في السنوات القليلة  الماضية، فإنهم أصبحوا يعنون روسيا، لكن بعد مقتل الجنود الأتراك، بات من الصعوبة بمكان اعتبار العلاقات التركية الروسية استراتيجية، رابطاً توقيت استهدافهم مع زيارة أردوغان، لأوكرانيا، التي أثارت غضب موسكو. ولفت ينانتش إلى أنه ومنذ آب/أغسطس الماضي، تمكن النظام من تحقيق تقدم عسكري في إدلب، بدعم عسكري روسي كامل، الأمر الذي يشي بمسؤولية موسكو عن مقتل الجنود الأتراك، وبالتالي لا يمكن اعتبار الروس شركاء استراتيجيين لتركيا، رغم تنامي التبادل التجاري وشراء منظومة صواريخ "إس-400".
ودار نقاش في الأوساط الإعلامية المقربة من حزب "العدالة والتنمية" حول خيارات تركيا في علاقتها مع روسيا والوضع في إدلب، حيث تساءل، برهان الدين دوران، مدير مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية "سيتا"، في مقاله بجريدة "صباح"، عما إذا كانت تركيا ستنتقل إلى المرحلة الثانية في إدلب؟، ويقصد بالمرحلة الثانية التوجه إلى السيطرة الميدانية، عبر تقوية نقاط المراقبة، وفرض سيطرتها على المناطق المحيطة بها. إضافة إلى إنشاء منطقة آمنة بعمق 30 إلى 40 كم داخل الحدود السورية، من أجل إيواء النازحين السوريين. ولم يستبعد أن "يمتد القتال إلى حلب وتل رفعت وعين عيسى وشرق الفرات"، متسائلاً عما سيكون عليه موقف موسكو، وإمكانية تضحيتها بالتعاون الروسي التركي من أجل أطماع الأسد؟
ولم تغامر مراكز البحوث والأوساط الأكاديمية التركية في التسرع بالحكم على العلاقة مع روسيا وتفاهماتها في سوريا، لكنها تتخوف من أن يثير مقتل الجنود الأتراك المخاطر الكثيرة على تركيا وعلاقاتها، مراهنة على العلاقة الشخصية الطيبة بين أردوغان وبوتين، وسبل حصر الأضرار الناجمة، وفرص مقايضة محتملة ما بين إدلب وشرقي الفرات وطرابلس الليبية.
والحاصل هو أن الساسة الأتراك ما تزال لديهم مراهنة كبيرة على دور بلادهم وتأثيرها في سوريا وسائر قضايا المنطقة، لكن المخاطر كبيرة، ليس فقط لأن المصالح والتفاهمات مختلفة مع الروس ومع الخائضين في الدم السوري، بل لأن دورهم وتدخلاتهم تضعهم في حالة تماس عسكري مباشر مع سائر المتدخلين، الأمر الذي ستنتج عنه أثاراً وتبعات، قد لا تنتهي أو تنحصر عند مقتل الجنود الستة في إدلب. يضاف إلى ذلك أن علاقات تركيا مع روسيا يعتريها اختلافات، بالرغم من تقاطع وتشابك المصالح، لأن ما يريده الروس هو إعادة رسم خريطة جديدة على الأرض في سوريا، بما يعني توسيع نفوذهم على حساب النفوذ التركي فيها، والقضاء على فصائل المعارضة السورية، تمهيداً لاستثمار ما يحققونه عسكرياً على الصعيد السياسي، عبر تفصيل حل سياسي ينتصر للنظام ويزيد معاناة السوريين.
المصدر: المدن