موقع اشكرة |

ما حقيقة دور المرأة في الجماعة وكيف نشأ قسم الأخوات المسلمات؟

كشكول

ما حقيقة دور المرأة في الجماعة وكيف نشأ قسم الأخوات المسلمات؟

 

يطلق الإخوان المسلمون الكثير من عبارات التفخيم بحق المرأة، بداية من ضرورة احترامها وتقديرها ورعايتها، وصولاً إلى تبنّيهم مبدأ مشاركتها في الحياة السياسية، وتولّيها القضاء والمناصب العليا في الوطن، وهي خطابات قد ينخدع البعض بها، فيتوهّم أنّ هذا هو موقف الإخوان الحقيقي.

الحقيقة يمكن رؤيتها بوضوح في تنظيم قسم الأخوات، فكلّ ما زعم الإخوان أنّه مبدأ أصيل لديهم، يظلّ على المحكّ، هو ما يطبقونه في تنظيمهم؛ فكيف نشأ هذا التنظيم؟ وكيف يدار؟ وماذا يقدّم؟ وما هي حقيقة دور النساء في الجماعة؟

نشأة قسم الأخوات

نشأت جماعة الإخوان كجمعية في مدينة الإسماعيلية، العام 1928، وقدّمت تصوراً مغايراً عن الإسلام والمسلمين لأتباعهم، ولأنّ كثيرين من الأعضاء انضمّوا للإخوان وهم متزوجون، فإنّ الجماعة كانت تطلب من العضو فيها أن يتحول هو وأسرته إلى الجماعة، فكان من المتوقع أن يظهر قسم للزوجات، يهتم بتثقيفهنّ إخوانياً، ليتلاءمن مع ما استجد على أزواجهن من تغيرات فكرية سلوكية، كما أنّ الإخوان في الإسماعيلية كانوا قد أنشؤوا مدرسة للفتيات، تقوم على التدريس فيها  فتيات من الإسماعيلية.

كلّ هذا كان دافعاً لإنشاء فرقة للأخوات المسلمات؛ ففي 26 نيسان (أبريل) العام 1933، أعلن في الإسماعيلية عن إنشاء أول قسم للأخوات، ثم قرّر مكتب الإرشاد تكوين فرقة للأخوات المسلمات، تتبع المركز العام، وتشرف على جميع فرق الأخوات في مصر، واختار حسن البنا لقيادة هذه الفرقة؛ السيدة لبيبة أحمد (1875 – 1955)، وكان رئيس القسم هو الشيخ عبداللطيف الشعشاعي، والمشرف عليه من قبل مكتب الإرشاد الأستاذ صالح عشماوي، وكان أهمّ ما تميزت به الأخت لبيبة، الذي دفع المؤسّس حسن البنا ليجعلها مسؤولة الأخوات؛ أنها ترتدي الحجاب، وأنّها حجّت بيت الله الحرام 17 مرة، لكنّ نشاط الأخوات -كما يقول مؤرخ الإخوان جمعة أمين، وفق موقع "إخوان ويكي"- لم يبرز كقسم إلا العام 1937 "حين تمّ تنظيم لقاءات لعموم المسلمات في المركز العام، في العتبة وحلوان.. وقد نشرت مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية خبر تلك اللقاءات الأسبوعية".

ثم سافرت الأخت لبيبة أحمد إلى السعودية، وقررت المكوث هناك، وفتر نشاط الأخوات، وتقلصت المحاضرات والندوات، وكان أن شكّل المرشد القسم مرة أخرى، العام 1938، برئاسة حلمي نور الدين، وبمساعدة صالح عشماوي، وقائدة فرقة الأخوات نفيسة حسين زهدي، وقد أُثيرت بعض المشكلات التنظيمية حول دور الرئيسة وأعضاء مكتب الإرشاد، وهل دور الأخت مجرد (مندوبة اتصال) أم قائدة تملك كافة صلاحيات القيادة؟

إدارة ذكورية بحتة

وحين بدأت ممارسة الأخوات لدورهنّ في المحاضرات، ودخولهنّ، وخروجهنّ من المركز العام، أثيرت حفيظة بعض الإخوان من ذوي النزعة السلفية، وكي لا تتفاقم الأمور، تدخّل حسن البنا المؤسس، وأصدر لائحة الأخوات، العام 1944، فأغلق باب المشكلات في المادة (3) فقرة (أ)؛ "يختار للإشراف على هذه الناحية من نواحي نشاط الشعبة، أخ تقيّ ورِع، معروف بين الناس بمتانة الخلق، وعدم تسرّب الشكّ إلى تصرفاته أو تأويلها"، وفي المادة (3) فقرة (ز): "يمنع منعاً باتاً تكوين هيئات إدارية مستقلة للسيدات، حتى لا يشغلن أنفسهن بتشكيلات وتسميات، لا طائل تحتها، ولا خير فيها؛ بل يتفرغن تفرغاً كاملاً للاستفادة من الدروس وتطبيقها في منازلهنّ، على أولادهنّ وأخواتهن وإخوانهن وخدمهن، ونشرها خارج منازلهن، بين صديقاتهن وذوات قرابتهن، فيبتعدن بذلك عن أوضار الشكليات، مبتغيات وجه الله، منصرفات إلى الفائدة".

وورد في المادة (6): "يختار مكتب الإرشاد العام من بين أعضائه رئيس القسم ووكيله، ومنهما، ومن المشار إليهم في المادة الخامسة، تتألف الهيئة المسؤولة عن هذا القسم في المركز العام لجماعات الإخوان المسلمين وشعبه، ولهذه الهيئة أن تستعين في أداء مهمتها ببعض الإخوان المتطوعين أو الموظفين، إذا لزم الأمر"، أي إنّ مهمة إدارة الأخوات منوطة بالإخوة، ولا شأن للأخوات بها.

وما سبق يعزّزه ما ورد في المادة (7) وإن بطريقة مختلفة: "الصلة بين السيدات وإدارة الشعبة، بطريق المندوب المسؤول عن الإشراف على هذه الناحية، وهو يتصل بالفرق عن طريق المنظمات، وليس لأحد من أعضاء جماعات الإخوان المسلمين أن يتصل بهذه الفرق لشؤون تتصل بالدعوة فيها، إلّا عن طريق حضرته، كما أنه ليس لإحدى أعضاء الفرق أن تتصل بشعب الإخوان لشأن يتصل بالدعوة، إلا عن طريق المنطقة تحديداً للتبعات. انتهى"؛ نلاحظ من تركيز البنا على عدم اتصال الأخوات بالإخوة أمراً يحاول إخفاءه، لكنّه يظهر كشبح في خلفيات كلمات البنا.

واستمرّ عمل تنظيم قسم الأخوات في جماعة الإخوان ذكورياً بحتاً، وانحصر دور الأخوات في تجميع النساء، وحثّهن على حضور اللقاءات العامة، ومن تندرج في قسم الأخوات لها درجة الوكيلة أو المنظِّمة نفسها، ولا يملكن حقّ تغيير المسؤول أو انتخابه؛ بل هذا حقّ أصيل للإخوان الذكور.

ومع تحوّلات الإخوان في العمل، بداية من العمل المفتوح في فترة الثلاثينيات والأربعينيات، كان دور الأخوات هو تجهيز الأخت لتكون زوجة صالحة مناسبة للأخ الإخواني، ومع اتجاه الإخوان إلى العمل السرّي المسلّح، في الخمسينيات والستينيات، تحوّل دور الأخوات إلى رعاية أسر المسجونين، والشدّ على أيدي زوجاتهم وبناتهم، وتنظيم الزيارات...، ومع تحوّل الإخوان إلى العمل المفتوح، غير الرسمي، في السبعينيات، ضعف عمل الأخوات كثيراً، وانحصر في الدعوة للحجاب والالتزام الظاهري.

ومع بداية عودة تنظيم الإخوان في الثمانينيات؛ أعيد لقسم الأخوات تنظيمه وترتيبه، بناء على لائحة 1978؛ التي أُقرَّت العام 1984، ونظّمت عمل الأخوات، لكن تحت وصاية تامة من الإخوان الذكور، ومع توسّع الإخوان، ومرحلة استكمال المؤسسات في مرحلة التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، كانت المرأة في الإخوان تقوم بحشد السيدات للتصويت الانتخابي، والوقوف أمام اللجان للدعاية لمرشحيهم، وتركز دور الأخوات في العمل التجميعي أكثر.

ولكثرة الأخوات الملتزمات بالتنظيم، بدأ تنظيم الإخوان في إنشاء لجان فرعية من القسم، مثل لجنة الزهرات، وهي التي تهتم بالفتيات في المرحلة الابتدائية وما قبلها، ولجنة للطالبات تهتم بالعمل مع الطالبات في المرحلة الإعدادية والثانوية، ولجنة الجامعة، وتهتم بعمل الأخوات  الشابات؛ اللواتي انضممن للجامعة، وتشعّب التنظيم، حتى تمثلت كلّ هذه اللجان في كافة الشعب الإخوانية، والشعبة الإخوانية؛ هي أصغر تجمّع إداري للإخوان، يضمّ ما لا يقلّ عن أربعين أخ، بين عامل ومنتسب ومنتظم.

كيف يدار قسم الأخوات؟

يشكّل الإخوان في الشعبة مجلس شورى لهنّ، ومن مجلس شورى الإخوان في الشعبة، يتمّ انتخاب المكتب الإداري لها، الذي يضمّ مسؤول الأخوات؛ أي إنّ مسؤول الأخوات في أول درجة إدارية يتم انتخابه من قبل الإخوة، وليس للأخوات أيّ دور في اختياره، ويقوم هو باختيار الأخت المناسبة لقيادة المجموعات، التي ستتواصل معه عبر زوجها أو أخوها، أو عبر زوجته، وفي حضورها، في كلّ مرة يجتمع مع الأخوات، يتمّ تقسم العمل عليهنّ بحسب احتياجات الجماعة التنظيمية، وليس بحسب احتياجات المجتمع المحلي المنتمين إليه، وتعدّ قضية الحجاب، وحفظ القرآن الكريم، هما أهمّ قضيتين تهتم بهما الأخوات.

في مرحلة ما بعد 30 حزيران (يونيو) 2013، وعزل  الرئيس الإخواني محمد مرسي، ومع دخول الإخوان مرحلة الصدام المسلح مع الدولة الرسمية؛ وظّف الإخوان المسلمين الأخوات بشكل براجماتي، فلم يكتفوا باستخدامهنّ كمحفّز للإخوان للقيام بأعمال العنف؛ بل تم استغلالهنّ كدروع بشرية في المظاهرات، كما تعمّدوا أن يجعلوهنّ في المقدمة، حتى إذا سقطت منهن جريحات أو قتيلات، يضمن الإخوان جذوة الثأر لدى الذكور وتقبّلهم فكرة الانتقام.

وبعد حسم الدولة المصرية تلك المواجهة لصالحها بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، لم يعد من المحتمل عودة الإخوان للحكم مرة أخرى، فتحوّل الإخوان من المواجهة الصريحة والمباشرة المسلحة مع الدولة، إلى مربع الدعاية المضادة، وتشجيع الآخرين على القيام بالدور المسلح، بالتالي؛ وفي هذا السياق أمكن رصد دورين أساسيين للأخوات؛ الأول يتمثل بالدعم الإعلامي المعنوي والإشاعات المضادة عبر الفيسبوك  وشبكات التواصل، ونقل الأخبار إلى إخوان الخارج، والثاني: هو رعاية أسر الإخوان عبر التواصل مع الأخوات، زوجات الإخوة المسجونين، ثم محاولة تجميع أكبر عدد ممكن من الأخوات، في كيانات تغلب عليها المسحة الدينية، دون الدخول في تفاصيل سياسية، مثل دور التحفيظ، والجمعيات الخيرية، وغيرها.

مناهج التربية عند الأخوات المسلمات

لم يكن للأخوات منهج تربوي خاصّ بهنّ؛ بل كانت محاضرات وندوات تتحدث عن السلوكيات الإسلامية، وتحضّ على الحجاب، ومساندة أزواجهنّ من الإخوان، وفي فترة الثمانينيات؛ تمّ إقرار منهج تربوي للأخوات، في سلسلة كتب رسمية تحت عنوان "رياض الجنة".

"رياض الجنة" رقم (1) كان للمبتدئات، ورقم (2) لمن مضى عليهنّ فترة مع الأخوات، ورقم (3) للطالبات في الثانوي، وهكذا..، والمتابع لكتاب "منهج التربية عند الأخوات"، يجده ينصبّ دائماً في تجهيز الفتاة كي تكون زوجة للعضو الإخواني.

هذا كان حال الجماعة في النظر إلى المرأة، ولا يبدو أنّه مرشح للتغير، طالما يحكم الإخوان تصورهم لأنفسهم، ولأخواتهم، بمنظور حسن البنا؛ الذي أورده في رسالة "المرأة المسلمة"؛ إذ يقول: "إنما يكون كمال المرأة ورقيّها، إذا استطاعت أن تكون فتاة عفيفة طاهرة، راجحة العقل، نبيلة العاطفة، سامية الغاية والمطمح، صحيحة الجسم والروح، وزوجاً مخلصة وفية، يجد فيها زوجها ما يملأ فراغ قلبه، ويصل إلى مقرّ الطمأنينة من نفسه، ويدبر شؤون الحياة في بيته، وأمّاً برّة صالحة تقدم للإنسانية رجالاً فضلاء، ذاك هو كمال المرأة الصحيح؛ الذي إذا وجدت السبيل إليه، فقد وفِّقت إلى كلّ خير".

أشكرة/حفريات